يناير 27, 2023 10:31 ص

كتب/ جيمس م. دورسي

وسط تكهنات تخفيض الالتزام العسكري الأمريكي تجاه الأمن في الشرق الأوسط، سلطت تركيا الضوء على قدرة المنطقة على التصرف كقوة تخريبية إذا تم إهمال مصالحها. فقد وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنذارا هذا الأسبوع، معلنا أنه ليس “مرحباً” بطلب الفنلندية والسويدية المحتمل للانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وتتوقف عضوية الناتو على التصويت بالإجماع لصالح أعضاء المنظمة الثلاثين، ذلك أن تركيا لديها ثاني أكبر جيش دائم في الناتو. ويبدو أن الغالبية العظمى من أعضاء الناتو يؤيدون عضوية فنلندا والسويد. ويأمل أعضاء الناتو في الموافقة على الطلبات في قمة الشهر المقبل. ومن شأن أي فيتو تركي محتمل أن يُعَقِّدَ جهود الحفاظ على الوحدة عبر الأطلسي في مواجهة الغزو الروسي. حيث تعكس تكتيكات الضغط التي يتبعها أردوغان مناورات زميله القوي رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. حيث يهدد أوربان وحدة الاتحاد الأوروبي بموقفه ذلك مقاطعة واسعة النطاق للطاقة الروسية.

ففي وقت سابق، رفضت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية طلبات الولايات المتحدة لزيادة إنتاج النفط في محاولة لخفض الأسعار ومساعدة أوروبا على تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية. ويبدو أن الدولتين الخليجيتين قد سعتا منذ ذلك الحين إلى التراجع بهدوء عن رفضهما. ففي أواخر أبريل، استأجرت شركة “توتال إنيرجيز”  TotalEnergies الفرنسية ناقلة لتحميل خام أبوظبي في أوائل مايو إلى أوروبا، أول شحنة من هذا النوع منذ عامين.

وقد استخدمت المملكة العربية السعودية بهدوء آليات التسعير الإقليمية الخاصة بها لإعادة التوجيه من آسيا إلى أوروبا “المتوسط” العربي، وهو الخام السعودي الذي يُعد أقرب بديل لمزيج التصدير الروسي الرئيسي (الأورال) حيث تم إعداد مصافي التكرير الأوروبية من أجله.

أما الرئيس التركي، فدق ربط اعتراضه على الناتو بالدعم الفنلندي والسويدى المزعوم لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية. وكان حزب العمال الكردستاني قد شن تمردا على مدى عقود في جنوب شرق تركيا لدعم الحقوق القومية والعرقية والثقافية للأكراد. ويشكل الأكراد ما يصل إلى 20% من سكان تركيا البالغ عددهم 84 مليون نسمة. وقصفت تركيا مؤخرًا مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق في عملية عسكرية أطلق عليها اسم عملية “مخلب القفل”.

وتعد تركيا على خلاف مع الولايات المتحدة بشأن الدعم الأمريكي للأكراد السوريين في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، حيث تؤكد أنقرة أن حلفاء أمريكا الأكراد السوريين يتحالفون مع حزب العمال الكردستاني. وقد حذَّر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو من أن تركيا تعارض قرار الولايات المتحدة هذا الأسبوع بإعفاء مناطق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد من العقوبات، فقال الوزير التركي مولود جاويش أوغلو “هذه خطوة انتقائية وتمييزية”، مشيرًا إلى أن الإعفاء لم يشمل المناطق الكردية في سوريا التي تسيطر عليها تركيا ووكلائها السوريين.

وفي إشارة إلى طلبات العضوية في الناتو، قال أردوغان إن “الدول الاسكندنافية بمثابة بيت مكان لضيافة المنظمات إرهابية. إنهم موجودون حتى في البرلمان”. وتتعلق اعتراضات أردوغان بشكل أساسي بالسويد، حيث تخاطر فنلندا بأن تمثل أضرارًا جانبية.

وتعد السويد موطناً لمجتمع كردي مهم حيث وتستضيف أفضل فريق كرة قدم كردي في أوروبا يتعاطف مع حزب العمال الكردستاني وتطلعات الأكراد الأتراك. بالإضافة لذلك، هناك ستة أعضاء في البرلمان السويدي من أصل أكراد. وفي ذلك يقول الباحث التركي “هوارد إيسنستات” إلى أن معارضة تركيا لحلف شمال الأطلسي قد تكون نقطة تحول. لذلك فإن الكثير من المرونة الإستراتيجية لتركيا قد جاءت من حقيقة أن أولوياتها يُنظر إليها على أنها قضايا هامشية بالنسبة لأهم حلفائها الغربيين، فقد قال إيسنستات في تغريدة أن “دخول فنلندا والسويد إلى الناتو، ليس هامشيًا على الإطلاق”.

ويظهر الاعتراض التركي قدرة الشرق الأوسط على إخراج السياسة الأمريكية والأوروبية عن مسارها في أجزاء أخرى من العالم. حيث تسير دول الشرق الأوسط على خط رفيع عند استخدام إمكاناتها للتعطيل لتحقيق أهداف سياسية خاصة بها. هنا فإن التراجع الحذر بشأن إمدادات النفط المتعلقة بأوكرانيا يوضح حدود و أو مخاطر سياسة حافة الهاوية في الشرق الأوسط. كما يؤكد على حقيقة أن أوكرانيا قد نقلت مركز ثقل الناتو إلى شمال أوروبا وبعيدًا عن جناحها الجنوبي، الذي ترسو عليه تركيا. وعلاوة على ذلك، تخاطر تركيا بتعريض تحسينات كبيرة في علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة للخطر.

فقد دفعت الوساطة التركية في الأزمة الأوكرانية والدعم العسكري لأوكرانيا الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المضي قدمًا في خططه لتحديث أسطول تركيا من الطائرات المقاتلة “إف – 16” وبحث بيع واشنطن هذا الطراز المتقدم رغم أن تركيا لم تدين روسيا ولم توافق على فرض عقوبات. ويرى بعض المحللين أن تركيا قد تستخدم اعتراضها لاستعادة الوصول إلى برنامج الطائرات المقاتلة الأمريكية  “إف – 35″، حيث قامت واشنطن بإلغاء الولايات المتحدة في عام 2019 صفقة بيع الطائرة لتركيا بعد أن استحوذ العضو في الناتو على نظام الدفاع الصاروخي الروسي  “إس – 400”. لقد قام الرئيس التركي بهذا التكتيك  من قبل. فوفقاً للأدميرال البحري الأمريكي المتقاعد جيمس فوجو، رئيس مركز الإستراتيجية البحرية، “إن أردوغان سيستخدم ذلك كوسيلة للضغط من أجل الحصول على صفقة جيدة لتركيا”.

يؤكد أحد كبار مساعدي أردوغان، وهو إبراهيم كالين، ما ذهب إليه فوغو، حيث قال “نحن لا نغلق الباب” وذلك في إشارة إلى تصريحات الرئيس التركي أمام حلف شمال الأطلسي، مضيفا: “لكننا نثير هذه القضية بشكل أساسي من باب الأمن القومي لتركيا، إننا بالطبع نريد إجراء مفاوضات مع نظرائنا السويديين.”

وقد أوضح السيد كالين المطالب التركية، قائلاً: “إن ما يجب القيام به واضح، إنهم عليهم ان يتوقفوا عن السماح لمنافذ حزب العمال الكردستاني وأنشطته ومنظماته وأفراده وأنواع أخرى من الوجود بالتواجد في تلك البلدان”. وقد تكون لسياسة حافة الهاوية التي يتبعها أردوغان حدودها، لكنها توضح أن المرء يتجاهل الشرق الأوسط على حسابه. ومع ذلك، فإن إشراك أردوغان لا يعني بالضرورة تجاهل انتهاكاته المتفشية لحقوق الإنسان وقمع الحريات.

أما بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، فتكمن الأمر في تطوير سياسة توازن بين مطالب الحكام المستبدين (إشارة لأردوغان)، المزعجة في بعض الأحيان، والتي تهدف غالبًا إلى ضمان بقاء النظام، مع الحاجة إلى البقاء مخلصين للقيم الديمقراطية وسط صراع حول قيمهم التي ستؤمن نظام عالمي في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، قد يتطلب ذلك درجة من الإبداع في صنع السياسات والدبلوماسية التي تبدو سلعة نادرة.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *